محمد هادي معرفة
443
التمهيد في علوم القرآن
لم يقل : أشهد اللّه وأشهدكم ، وإنما عدل إلى صيغة الأمر ، تهاونا بهم ، فلا يتوازنوا مع اللّه في شهادة صدق على البراءة . ومنه العدول عن الماضي إلى الاستقبال أو العكس ، كقوله تعالى : وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ « 1 » فقوله : « تثير » مسبوق وملحوق بالفعل الماضي ، اهتماما بشأنه ، إرادة لاستحضار تلك الصورة البديعة الدالّة على القدرة الباهرة ، وهي حكاية الحال التي يقع فيها إثارة الرياح للسحب . وهكذا يفعل بكلّ أمر فيه ميزة واختصاص ، كحال تستغرب أو تهمّ المخاطب أو غير ذلك . قال ابن الأثير : العدول عن صيغة إلى أخرى لا يكون إلّا لنوع خصوصية اقتضت ذلك ، ولا يتوخّاه إلّا العارف برموز الفصاحة وأسرار البلاغة . وليس يوجد ذلك في كل كلام ، فإنّه من أشكل ضروب علم البيان وأدقّها فهما وأغمضها طريقا « 2 » . ونظير الآية قوله : فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ « 3 » فهو لاستحصار صورة خطف الطير إيّاه أو هويّ الريح به وللآية تصوير فنّي رائع تكلّمنا عنه . وقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ « 4 » لم يقل : وصدّوا . . . لأنّ كفرهم كان سابقا ، وإنّما المتجدّد هو الصدّ عن سبيل اللّه ، ولا يزال مستمرا . ومثلها قوله : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً « 5 » . لأنّ
--> ( 1 ) فاطر : 9 . ( 2 ) المثل السائر : ج 2 ص 184 . ( 3 ) الحج : 31 . ( 4 ) الحج : 25 . ( 5 ) الحج : 63 .